السيد محمد حسين فضل الله
19
من وحي القرآن
أساس تخمين وحدس كما يحدث في أقاصيصكم التي قد ترتكز على كثير من أفانين الظن والخيال وَما كُنَّا غائِبِينَ فإن اللَّه حاضر في الزمن كله ، كما أن الزمن كله حاضر أمام اللَّه . إن الزمن يرافقنا أوّلا ثم يتركنا ثم يستقبلنا ونستقبله ، ولكن اللَّه هو الذي خلق الزمان ، وخلق الحياة التي يتحرك فيها الزمن ، فحضوره هو الحضور ، وكل ما عداه هو ظلّ زائل . * * * هل يأتي العذاب بعد الإهلاك ؟ لقد توقف المفسرون أمام فقرة وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً لأن الظاهر أن الفاء للتعقيب ، مما يعني أن ما بعدها يأتي متأخرا عما قبلها ، فكيف يكون مجيء العذاب بعد الإهلاك مع أن القضية بالعكس ؟ وقد ذكر في الجواب عن هذه الملاحظة عدة وجوه : أحدها : ما ذكره الزمخشري في أن المقصود بأهلكناها « أردنا إهلاكها » « 1 » لا الإهلاك الفعلي . ثانيها : أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا ولعله قريب من الأول . والثالث : انه مثل : زرتني فأكرمتني ، فإن نفس الإكرام هي الزيارة ، قال علي بن عيسى : وليس هذا مثل ذلك ، لأن هذا إنما جاز لأنه قصد الزيارة ثم الإكرام بها « 2 » . وربما كان الأقرب أن المسألة واردة على نحو الإجمال والتفصيل ، بأن يكون المقصود هو الحديث عن الإهلاك أولا على نحو الإجمال ثم الحديث عن تفعيل ذلك بمجيء العذاب في الليل أو في وقت القيلولة كتفصيل للإهلاك ، واللَّه العالم . * * *
--> ( 1 ) الزمخشري ، جار اللَّه محمود بن عمر ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 2 ، ص : 67 . ( 2 ) يراجع : مجمع البيان ، ج : 4 ، ص : 612 .